الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
171
مناهل العرفان في علوم القرآن
النوع الذي دبّ في زمانه ، كان بجمع الناس وتقريرهم على الحروف السبعة ، لا بمنعهم عنها كلّا ولا بعضا . ثم كيف يفعل عثمان ذلك ، وتوافقه الأمة ، ويتم الإجماع ؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع ؟ أي كيف تجمع الأمة على ترك ستة أحرف وإبقاء حرف واحد ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا ، ويكادون يتّفقون - رغم خلافهم هذا - على أن الأحرف السبعة باقية ، مع أن الإجماع حجة عند المسلمين ، وبه ينجلى ظلام الشكّ عن وجه اليقين ! ! . ولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان رضى اللّه عنه ، قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة ، فلما ذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة ، مع أن الضرورة تقدّر بقدرها ، وهذه الستة الأحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرّة قلم كذلك ، ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع ، وأقدس كتاب ، وهو القرآن الكريم . على حين أن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، حفظوا للتاريخ آيات نسخت تلاوتها ونسخت أحكامها جميعا . وعلى حين أنهم حفظوا قراءات شاذة في القرآن ، ثم نقلت إلينا ، وكتب لها الخلود إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم . بل نقلوا إلينا أحاديث منسوخة ، وتناقل العلماء أحاديث موضوعة ، ونصّوا على حكم كلّ منها وعلى إهمال العمل بها . ثم إنّ من عرف تحمس الصحابة لدينهم واستبسالهم في الدفاع عن حمى القرآن يستبعد كل البعد ، بل يحيل كل الإحالة أن يكونوا قد فعلوا ذلك ، أو أقل من ذلك ، عاود ما قرّرناه في الشاهد السادس من شواهدنا الماضية ، وانظر إلى موقف عمر من هشام وموقف هشام من عمر ، وموقف أبىّ وابن مسعود وصاحبيهما . وتأمّل كيف أن كلّا من هؤلاء الصحابة رضوان اللّه عليهم أبى أن يتنازل عن قراءة سمعها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلمها